في خطوة وصفت بأنها الأهم في عالم الحوسبة منذ أكثر من عقد، كشفت شركة مايكروسوفت عن فئة جديدة تمامًا من أجهزة الكمبيوتر تُعرف باسم Copilot PC، وهي أجهزة تم تصميمها من الأساس لتكون مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وليس مجرد تشغيل الذكاء الاصطناعي عليها عبر برامج تقليدية. هذا الإعلان يُعد بداية تحول جذري في كيفية تعامل المستخدمين مع الكمبيوتر، ويضع معايير جديدة لأداء الأجهزة وسرعتها وقدرتها على التعلم وتحليل البيانات والاستجابة الفورية للأوامر.
مفهوم جديد للحوسبة: أجهزة تعمل بالذكاء الاصطناعي من الداخل إلى الخارج
تتميز أجهزة Copilot PC بوجود معالج مخصص يُعرف باسم NPU – Neural Processing Unit، وهو معالج متخصص في أداء مهام الذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة ودون الحاجة إلى الاتصال بالإنترنت. هذا يعني أن الجهاز قادر على تنفيذ مهام مثل تحليل الصور، معالجة اللغة، التعرف على الصوت، وإنشاء المحتوى مباشرة من الجهاز ذاته، مما يمنح المستخدم سرعة غير مسبوقة مع حماية أعلى للبيانات.
وتعتبر هذه الخطوة بداية عصر جديد من الحوسبة، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي عبارة عن إضافة اختيارية أو برنامج منفصل، بل أصبح جزءًا أساسيًا من بنية الجهاز، تمامًا مثل المعالج والذاكرة والبطارية.
أداء غير مسبوق وبطارية أطول
بحسب مايكروسوفت، فإن أجهزة Copilot PC تُعد أسرع أجهزة ويندوز في التاريخ، وذلك بفضل الدمج القوي بين المعالج التقليدي ومعالج الذكاء الاصطناعي. ونتيجة لهذا التطور، أصبحت البطارية أكثر كفاءة وقدرة على الصمود لفترات أطول، حيث يمكن أن تدوم بنسبة تصل إلى 40% أكثر من لابتوبات ويندوز التقليدية.
هذه النقلة في الأداء تضع أجهزة مايكروسوفت في منافسة مباشرة مع أجهزة MacBook التي تعمل بمعالجات Apple M-series الشهيرة، مما يفتح بابًا جديدًا للمنافسة في سوق الأجهزة المحمولة.
ميزة “Recall”: ذاكرة زمنية تعيد لك كل شيء
واحدة من أكثر الابتكارات إثارة للجدل والإعجاب في الوقت ذاته هي ميزة Recall، وهي أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتسجيل نشاط المستخدم على الجهاز بطريقة آمنة ومنظمة، بحيث يستطيع المستخدم العودة لأي لحظة أو ملف أو محادثة أو صورة أو موقع قام بفتحه، حتى لو نسي تمامًا مكانها.
ويمكن تشبيه الميزة بشريط زمني حي يسمح لك بالرجوع إلى الماضي والبحث داخل كل ما قمت به حرفيًا. فعلى سبيل المثال، إذا كنت قد رأيت معلومة قبل أسبوع ولم تحفظها، يمكنك العودة إلى اللحظة التي رأيتها فيها بضغطة زر واحدة.
الميزة قابلة للتحكم الكامل ويمكن تعطيلها أو تخصيص البيانات التي يتم تسجيلها، وهو عنصر مهم للحفاظ على الخصوصية.
Copilot أكثر ذكاءً وعمقاً من أي وقت مضى
مصدر قوة هذا الجيل الجديد من الكمبيوترات هو نسخة مطورة من Microsoft Copilot، والتي أصبحت قادرة على التعامل بشكل أعمق مع النظام والبرامج والملفات. لم يعد Copilot مجرد مساعد كتابي أو مولد للنصوص والصور، بل أصبح أداة إنتاجية شاملة قادرة على:
- تلخيص الملفات الطويلة.
- تحليل البيانات وعرضها بشكل بصري.
- إدارة البريد الإلكتروني والمواعيد.
- إنشاء عروض تقديمية تلقائياً.
- تعديل الصور والفيديو.
- وحتى تنفيذ أوامر داخل النظام مثل فتح التطبيقات وتنظيم الملفات.
وبفضل معالج NPU، أصبحت هذه العمليات أسرع وأكثر سلاسة، وتتم غالبًا بدون الحاجة لوجود اتصال بالإنترنت.
لماذا هذا الخبر مهم؟
إطلاق Copilot PC ليس مجرد تحديث تقني؛ إنه إعلان عن بداية عصر جديد في صناعة الكمبيوتر. تمامًا كما أحدثت الهواتف الذكية ثورة في طريقة تعامل الناس مع التكنولوجيا قبل 15 عامًا، يأتي هذا الجيل ليمثل مرحلة جديدة من التفاعل بين الإنسان والآلة، حيث يصبح الكمبيوتر أكثر ذكاءً وفهمًا للسياق، وأقرب إلى مساعد شخصي متطور يعمل معك لا من أجلك فقط.
كما سيؤثر هذا الجيل الجديد على مجالات عديدة مثل التعليم، التصميم، الأعمال، تحليل البيانات، البرمجة، الأمن السيبراني، والإنتاج الإعلامي، من خلال توفير قدرات ذكاء اصطناعي متقدمة دون الحاجة لخوادم خارجية.
خاتمة
مايكروسوفت لا تقدم جهازًا جديدًا فحسب؛ بل تقدم فلسفة جديدة للحوسبة تعتمد على الذكاء الاصطناعي كقلب الجهاز وروحه. ومع دخول Copilot PC إلى الأسواق، يصبح المستقبل أقرب مما نتخيل، وتبدأ مرحلة جديدة من التطور التقني الذي سيعيد تشكيل يوميات المستخدمين وطريقة عمل الشركات حول العالم.


